رئيس التحرير
عصام كامل

الاقتصادات العربية فى مقدمة ضحايا الأزمة الأوروبية (1)



لاشك فى أن الأزمة المالية الأوروبية قد أصبحت ،اليوم، ذات تأثير وأبعاد عالمية تتخطى الحدود الجغرافية لأوروبا. وسواء تعلق الأمر باقتصادات الدول المتقدمة أو اقتصادات الدول الناشئة فإن هذه الأزمة أخذت تشكـّل مصدر قلق حول مصير الاقتصاد العالمى ومستقبله. وفى اعتقادنا فإن الاقتصادات العربية تأتى فى مقدمة اقتصادات العالم المتأثرة بهذه الأزمة.

وقبل التطرق إلى انعكاسات الأزمة المالية الأوروبية على الاقتصادات العربية فقد يكون من الأهمية بمكان الإشارة إلى طبيعة وإشكاليات هذه الأزمة حتى تتضح الصورة عند تناول أبعادها وتداعياتها على الاقتصادات العربية.
وحسبما يبدو فإن الأزمة المالية الأوروبية هى أكثر تعقيداً من مجرد عجز فى الموازنات أو ارتفاع فى المديونية، حيث إن هذه الاختلالات المالية ما هى فى اعتقادنا إلا نتائج للأزمة وليست بالضرورة المسببات. لذلك فمن الضرورى بمكان التمعن حول الأسباب الرئيسية التى أدّت إلى مثل هذه الاختلالات. هناك بالطبع أولاً الأسباب التى ترجع إلى اختلاف الثقافة والسلوك الاجتماعى والنماذج الاقتصادية والاجتماعية التى تتبعها دول المجموعة الأوروبية, ومثل هذه الأسباب لها تأثيرات مباشرة على الإنتاجية وانضباط السياسات المالية.
إن صعوبة تأقلم اليونان مع المعايير المطلوبة للاندماج فى المجموعة الأوروبية يمثـّل أحد أهم هذه المظاهر التى تعبّر عن اختلاف ثقافات العمل ومستوى الانتاجية مقارنة ببعض دول المجموعة الأخرى. هذا ينطبق بدرجات متفاوتة على الوضع فى أسبانيا وإيطاليا والبرتغال وأيرلندا.
ونظراً لكون هذه الاشكاليات تتعدى مسألة عجز الموازنة أو مستوى المديونية فإن المساعدات المالية التى قدمتها المجموعة الأوروبية وصندوق النقد الدولى لا تبدو كافية للوصول إلى حلول نهائية شافية لهذه الأزمة، الأمر الذى أصبح يثير التساؤل حول مدى استمرار تكتل المجموعة الأوروبية والاتحاد النقدى الأوروبى وفقاً للترتيبات والممارسات الحالية، ممّا انعكس بشكل سلبى على اليورو - العملة الأوروبية الموحدة - التى فقدت الكثير من قيمتها خاصة فى الفترة القليلة الماضية. كذلك فإن الخيارات المتداولة بين اتباع سياسات تقشفية أو تنشيط النمو لحل الاختلالات المالية لا يبدو أنها تحظى بالاتفاق أو الاجماع،
كما أن كلا منهما يبدو متناقضا مع الآخر، هذا عدا كون أى من هذه الخيارات لا يتصدى لجذور الأزمة المتمثلة فى اختلاف ثقافة العمل وتباين مستويات الانتاجية وعدم انسجام النماذج الاقتصادية والاجتماعية المتبعة.
الجريدة الرسمية