رئيس التحرير
عصام كامل

"قلب وحيد" توقفت دقاته.. محمد حسن خليفة ورحيل بطعم البقاء

الكاتب محمد حسن خليفة
الكاتب محمد حسن خليفة

هكذا هو الموت.. لا يتقن أخلاق الاستئذان، لا يعترف بأبجدية «الطرق على الأبواب»، يحل دون أية مقدمات، ولثوانٍ عدة يفرض سطوته على المشهد، يتصدر «الكادر» لا شريك له، ويغيب تاركًا خلفه جبالًا من الحزن، وبحورًا من الدموع الساخنة الممزوجة بالوجع. 

بين الأحرف والكلمات والأغلفة قرر أن تكون حياته، لا مكان لشيء آخر سوى الكتابة والقراءة، هكذا أراد الراحل الكاتب الشاب محمد حسن خليفة، أن تكون حياته، ووسط الكتب، بل وأمام آلاف وآلاف من العناوين والأغلفة، وعشاق الكتابة والقراءة، قرر أن يكتب الموت كلمة «النهاية» لحياة قصيرة السنوات، طويلة الخبرات، في لحظة هي الأقسى في حياة كل من عرف «خليفة».

«سقط.. فمات.. وانتصر الموت من الجولة الأولى.. الدقيقة الأولى.. وبالقاضية».. من هنا يمكن المضي قدمًا للحديث عن واقعة وفاة الكاتب الشاب داخل معرض الكتاب، فـ«خليفة»، صاحب الملامح الهادئة، والجسد الضئيل ترفع عن الحياة وتفاصيلها الضيقة، وقرر – منذ البداية- العيش في رحابة الكتب بين دفة الكلمات.. كان يحصل من الأدب على طعام الإفطار، ويحتسى من بين الصفحات قهوته اليومية، وتصحبه الكتب من موائد الغداء إلى أسره النوم، ومن ثم يعانقها في أحلامه.

الكاتب الشاب محمد حسن خليفة، صاحب تلك الملامح البالغة ثلاثة وعشرين عاما فقط، والذي قطف الموت زهرته صباح اليوم في معرض القاهرة الدولي للكتاب، خلال جولة له في المعرض، تلك الجولة التي كان يحتفل من خلالها بكتابه الأول «إعلان عن قلب وحيد» وهو مجموعة قصصية صادرة عن دار كنزي للنشر والتوزيع.

محمد حسن خليفة.. الموت يخطف صاحب "القلب الوحيد"

سنوات محمد حسن خليفة الضئيلة في الحياة قضاها بين الكتب التي عشقها من والده الذي رحل عن عالمه في سن صغير، فخلف وراءه ندبة في قلب «محمد»، لم تكن لتندمل إلا بالحياة بين الكتب والكلمات والقراءة.. فهو الشاب الذي يستحيل على أصدقائه مقابلته حتى ولو صدفة إلا ويجدونه يحتضن كتابا ما ويعيش بين طياته . 

 

ربما كان يشعر «محمد» بعمره القصير، فلم يخلف وراءه سوى زهور الحب والود، ورفض من صميم قلبه معادلة التأقلم مع جوانب الحياة السيئة، ولطالما كان الهائم الذي تجده في كل مكتبة تمر بها، ولا يعرف سوى الكلمات سبيل للحياة والمرور في دروبها دون إصابة مباغته في القلب.

 

 

الفرحة الأولى في حياة محمد بكتابه الأول «إعلان عن قلب وحيد» شاء القدر إيقافها، حيث سقط مغشيا عليه خلال جولته الأولى في المعرض، ولم تستطع المستشفى إسعاف قلبه الذي توقف فجأة، ليلحق به إلى جوار والده الذي لطالما اشتاق إليه.

 

 

«أنا ضواحي بلدة غير موجودة، التعليق المسترسل على كتاب لم يكتب قط. أنا لا أحد على الإطلاق، لا أعرف كيف أشعر، كيف أفكر، كيف أريد، أنا شخصية في رواية غير مكتوبة» .. فقرة  للكاتب فرناندوا بيسوا من كتاب «اللاطمأنينة» اختارها «محمد» ليزين بها مقدمة كتابه الأول، والذي دارت قصصه في مجملها عن شعور ما خفي يخالج نفس الأبطال بغربة عن الحياة ككل، تلك الغربة التي كانت في حد ذاتها اسقاط على ما يشعره محمد الشاب نفسه.

 

 

لم يخلف محمد حسن خليفة وراءه في الحياة سوى كتاب واحد لم يستطع الاحتفال به، وفجعة في قلب أصدقائه وإدارة دار النشر التي تبنت مولوده الأول في معرض الكتاب، والذي لفظ أنفاسه الأخيرة بين أيديهم. دقائق ونفس واحد كانت الحد الفاصل ما بين غربة محمد حسن عن الحياة، وعن مفارقته لها.. فالحياة لم تهده سوى الكتب، وهو لم يهد الحياة من بعده سوى كتاب.

 

الجريدة الرسمية