رئيس التحرير
عصام كامل

ربوا عيالكم.. عيب عليكم!


للأسف وجدنا من ربانا ولم يجد أولادنا من يربيهم! تلك هي الخلاصة الممزوجة بطعم المرارة، شأنها شأن الحقيقة الصادمة، ولم يعد من المفيد التجاهل ولا التباهي بأننا ربينا أولادنا أحسن تربية، فهم مؤدبون، مهذبون، محترمون، خجولون، متفوقون ليسوا شمامين!

كلا!

لم نربهم التربية التي أنشأنا عليها أهالينا. وأهالينا تلقوا التربية الصحيحة من أهاليهم. كان مستوى التعليم والمعرفة أقل بعشرات الأميال من المستوى الحالى، لكنهم عرفوا الحياء والصوت الخفيض والعيب والمجاملات الاجتماعية في الولادة والأفراح والأحزان والطهور والحج والعمرة..

هل عاد أحدكم اليوم يسمع بالعبارة الشهيرة القديمة: الأدب فضلوه على العلم!
لا أدب ولا علم.

بل تبجح وجدال ومناطحة في الحوار وسخرية ومفردات شوارعية حتى مع الأبوين والمعلمين في المدارس وفى الجامعات. كان زمان الواحد يفلت منه لفظ خارج المألوف.. يحس بالندم والخجل ويتفنن في رد الاعتبار للفظ بديل حتى لا تهتز صورته وسط زملائه وأصحابه في الجامعة.

الآن تصدمك ألفاظ السوقة على ألسنة أولاد الناس. هم أولاد سوقة معهم فلوس. لا أحد يربى. بالعكس، الأولاد هم من يفرضون قوانينهم على بيوت أهاليهم، وسياسة شراء الدماغ مستمرة بنجاح وسط بيوت المصريين. الفقر يجعل المسافة أقصر بين الفقير والقيم الدينية والاجتماعية، يلوذ بها لتوفر له الستر والحماية والقبول العام.

بالطبع لا أدعو إلى إفقار الناس فوق فقرهم، بل الأحظ أن أولاد المطحونين ومحدودى الدخل من الطبقة المتوسطة، الذين عرفوا المعاناة، أكثر إحساسا بالظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها الأبوان، ومن ثم تجد التماسك والتحمل والاجتهاد ثم التفوق أبرز مظاهر حياتهم.

أيضا لا أقول إن أولاد الأغنياء ضالون مارقون.. لكن أقول إنهم يعيشون مسنودين على ظهر وظهير اجتماعى محسوب. غيرهم ظهيره في علم الغيب. لماذا فشلنا في تربية أولادنا؟ لماذا تتفشى المخدرات الطبيعية والمصنعة؟ لماذا السيارات المركونة ليلا على الطرق السريعة بين المولات والمحافظات صارت محطة إرسال واستقبال؟

لا يوجد أحد في البيت ليربي. الأم امتصها الفضاء الإلكترونى. الأب غرق في علاقات افتراضية أو هروب إلى المقاهى.. أو لقمة عيش عسيرة أو عزوف كامل عن النهوض بمسئولياته.

انكسار الأب في بيته، ناجم عن انكسار الأب في مجتمعه وفى دولته. لا شيء يشد طول الرجل سوى المال الكافي لسد بالوعة الاحتياجات. حين يقول مفيش. ممعييش.. حينئذ تسقط سطوته وسلطته وكلمته وتعلو عقيرة الزوجة خصوصا إذا كانت سليطة اللسان، غير ذات أصول!

سقوط هيبة الأب تدفعه إلى الانسحاب من دوره، وتتقدم الأم فيدهسها جنون الأولاد المراهقين.. ثم إن العالم الافتراضي، من منصات التفسخ الاجتماعى، فيس وتويتر وإنستجرام وواتس، وفرت للأولاد آباء غير الآباء وأمهات غير الامهات وحبيبات غير تلك الرافضة المستعصية على الولد في الفصل أو عبر الشارع!

التمرد إلى الأسرة وعلى القيم الاجتماعية ليس الضرر البالغ الوحيد الذي نعيش انفجاراته اليومية، بل التمرد على الهوية، والتبرؤ منها واعتبارها عار أو بلا ضرورة!

الهوية هي اللغة. اللغة هي الهوية. ذلك هو المعلم الأول من معالم الإنسان المواطن. إنسان بلا لغة وطنية هو إنسان وليس مواطنا. المواطن مؤمن بدولة وحدودها ومقتضياتها. المتمرد لا حدود له.. هو خارج كل الحدود الدولة والعائلة والمجتمع والدين.

تلك هي الكارثة.

الذين ثاروا وتمردوا على حكم الرئيس الأسبق حسنى مبارك هم الجيل الذي ولد وترى وكبر وتعلم في عصر الرئيس مبارك. هم جيله. ونحن كنا جيل ناصر والسادات. الأول حكم ١٨ سنة تقريبا، والثاني ١٢ سنة تقريبا. مبارك حكم ٣٠ سنة.
هؤلاء من رباهم؟

ربتهم مدارس الإخوان والجوامع والزوايا. ربتهم المدارس الدولية. ربتهم جمعيات السلفيين. ربتهم جامعات دولية. نشأ لدينا جيل متعدد الأصول الفكرية. مماليك جدد. انتشروا. ليس للمملوك ولاء. هم كذلك باعوا الحدود وحطموا السدود. واليوم.. نواصل فتح حظائر تربية المماليك الصغار..

يعترفون بسيدهم ولا يعترفون بآبائهم. سيدهم خارج الوطن.. يعبدونه وفق طقوس وعبادات غامضة... تتحقق في الشارع عند أي لحظة عنف. ربوا أولادكم لتحافظوا على بلدكم.
الجريدة الرسمية