رئيس التحرير
عصام كامل

عبد العزيز البشري: قطوف من رمضان


في مؤلفه "قطوف"، كتب الشيخ صاحب الدم الخفيف، عبد العزيز البشري، عن الناس في شهر رمضان، فقال:
"لقد أتى الشهر الفضيل، وتحولت القاهرة والإسكندرية، وسواهما من الحواضر الكبرى، إلى كتل من النور.. في غرفها وعلى رءوس الأبواب، ثم في الشوارع من المصابيح العامة، وأولئك يغنون: "ياما دللوكِ.. ياوردة في السوق وباعوكِ، ياوردة في السوق".. وهؤلاء يغنين: "وحوي ياوحوي.. بنت السلطان إياحة، لابسة القفطان إياحة".

أما نوافذ البيوت فينبعث منها نور المصابيح والفوانيس، كما ينبعث منها النور الأعظم.. أعني ترتيل القرآن الكريم.
ويجيء الدور على المساجد في الليل، ففي صدر الليل صلاة العشاء، ثم صلاة التراويح، ثم تلك الأناشيد والتواشيح البديعة التي يتغنى بها المؤذنون فرادى وجماعات.
أما بعد السحور فهناك حلقات دروس العلماء في تفسير كتاب الله، وفي أحكام الشرع الحكيم، وليسمعوا صوت أشهر قارئ في الحي، الشيخ حنفي برعي في مسجد السيدة فاطمة النبوية، وبالشيخ أحمد ندا في مسجد السيدة زينب، رضي الله عن السيدتين الكريمتين، ورحم الشيخين العظيمين.
كنت كلما استمع إلى أحدهما في قراءة سورة "طه"، كل ليلة، بسم الله الرحمن الرحيم: "طه ما أنزلنا عليك الكتاب لتشقى، إلا تذكرة لمن يخشى".
وفي كل ليلة يخيل إليَّ أن جبريل ينزل من جديد بسورة "طه" على سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، فعندما يؤذن أحدهما يملأ الآذان طربًا، ويشيع في النفوس لذة وأريحية وفرحًا حتى إذا كان من مطلع الفجر صاح في مقام الست فاطمة أو السيدة زينب، بأعلى صوته:
يا أمة خير الأنام، ومصباح الظلام، ورسول الله الملك العليم العلام.. تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام وصالح الأعمال.
على أننا ينبغي أن نعي أنه شهر الصيام، والصيام كَفُّ النفسِ عن الطعام والشراب، أي عن غذاءيْ الحياة بعد التنفس في الهواء، وذلك، والله أعلم، ابتلاء للمؤمنين، وامتحان لمبلغ جهدهم واحتمالهم في طاعة الله، وتعويدهم الصبر على معاناة المشاق في هذه الحياة.. فلا يفسدهم الترف والمناعم والاسترسال في معاطاة اللذائذ.
إن هذا العيش أدعى إلى تكسُّر النفوس، واسترخاء العزائم، وعدم المقدرة على احتمال الشدائد، وإن أمة يصير بها الأمن والرخاء إلى هذا المصير لاستحقت التقلص والضمور، ثم الانقراض والعياذ بالله.
لذلك من الخير لنا لو تدبرنا ومرنَّا النفس على خوض المشاق ومعاناة الشدائد حتى إذا جاء يوم الردع لاقيناه في رشد وعزم وصدق، لقول الله عز وجل:
ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشِّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون".
الجريدة الرسمية