رئيس التحرير
عصام كامل

أطفال على خط النار


ما بين الطفلة "تقيا" أربع سنوات التي نالت كل ألوان العذاب على يد زوجة أبيها وبين الطفلة "يسر" 13 سنة التي عذبها والدها وزوجته طوال شهر كامل، وألقيا بها في بلكونة البيت شبه عارية مقيدة اليدين والرجلين.. مئات من الأطفال لا يزالون قيد التعذيب، ولم تصل قصصهم مع الألم والعنف الأسرى إلى مواقع التواصل الاجتماعي.


ومن منا لم يسمع ويشاهد فيديو (طفل البلكونة) الذي أطلقت عليه السوشيال ميديا هذا الاسم، ورغم أن الزمن الذي استغرقه شعوره بالرعب والخوف من الموت لم يتعد دقيقتين إلا أنه حفر في ذاكرته ولن ينساه أبدا..

وربما يكون هذا الطفل هو الشرارة التي ستعيد المجتمع المصرى كله بل والاسرة المصرية حساباتها في طريقة تربيتها لأبنائها.

فليس كل من أنجب طفلا يستحق أن نطلق عليه أبا أو تستحق كل من جاءتها الأم المخاض أن تكون أما تبنى أجيالا.

قضايا تعذيب الأطفال باتت أمرا متكررا فلا صراخ ينفع ولا دموع تشفع ولسان حال هؤلاء المجرمين نحن نؤدب أبناءنا.. أي تأديب هذا الذي يصل لحد الخنق والحرق والتنكيل، ألم ينهنا رسول الله عن ضرب الوجوه.. ألم يحثنا رسولنا الكريم على الرفق بالصغير. 

ومن الواضح أن الأديان السماوية بما فيها من دعوات الرحمة والشفقة والعفو لا تزال أبعد ما تكون عن قلوب هؤلاء الآباء والأمهات الذين نطلق عليهم بالباطل هذا الشرف.. أتدرون كم من الرجال والنساء الذين حرموا نعمة الإنجاب؟ وكم يتكلف طفل واحد من أطفال الأنابيب؟ حتى يصل إلى الحياة الكثير والكثير.

لدينا أكثر من 190 مركزا لأطفال الأنابيب يعملون كل يوم على قدم وساق حتى يحققوا لمن حرم من سماع كلمة ماما أو بابا أحلامهم، ولدينا على الجانب الآخر وحوش ضارية انتزعت كل معانى الأمومة والأبوة من قلوبهم، هذا الأب يقتل زوجته وأولاده الثلاثة في كفر الشيخ، وآخر يعذب ابنته حتى الموت، وسيدة أخرى تذبح ابنها نكاية في طليقها..

هذه مجرد نماذج لحوادث تقع بين الحين والآخر، ورغم بشاعة هذه الجرائم إلا أن ضحاياها قد ماتوا واستراحوا.. الأكثر بشاعة من وجهة نظرى هم الأبرياء من الأطفال الذين ينالون صنوفا من العذاب وما زالوا على قيد الحياة، يتذكرون كل يوم، وتظل ذاكرتهم حاضرة لا تموت إلا بموتهم.

وكان لنجدة الأطفال ورقمها الشهير 16000 دور كبير في قضية طفل البلكونة والذي تم الإبلاغ عن الواقعة، وتحركت الجهات المختصة، وقامت بالقبض على الأم والطفل الذي تعرض للترهيب والتعذيب المعنوى، والذي كان من الممكن أن يؤدى إلى سقوطه وموته.

في الغرب خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية إذا ما تعرض طفل لأذى مادى أو معنوى يتم التحقيق في الواقعة وحرمان الأب والأم من ابنهما، والتكفل به، وغالبا ما تأخذه أسرة تتمنى أن يكون لديها طفل ولديها من المؤهلات النفسية والمادية ما يساعدها على رعايته.

أعتقد أننا في مصر في حاجة إلى مناقشة هذا الأمر وتفعيل أكثر لنجدة الأطفال، ولا بد أن يكون هناك وعي كافٍ لأطفالنا بحقوقهم حتى إذا ما حدث تجاوز ما ضدهم يعرفون أن الدولة ستكون حمايتهم وملاذهم.

وليس عيبا أن يكون الأب أو الأم متضررين من وجود أبنائهما معهما ويشعران أنهم عبء عليهما، فدور الرعاية موجودة ومفتوحة تستطيع أن تستقبلهم، وهناك من الأسر المتيسرة ماديا تتمنى أن يكون لها طفل ترعاه وتأنس به، ولكن العيب حقا أن يتعرض هؤلاء الأبرياء إلى التنكيل الجسدى والمعنوي، وكأنهم ملكية خاصة لآبائهم وأمهاتهم. 

عزيزي الأب.. عزيزتي الأم.. قبل أن تقررا الإنجاب لابد أن يتم الكشف عن قواكما العقلية والنفسية، لأن استقبال طفل جديد للحياة يحتاج إلى تأهيل وليس مجرد لحظات متعة زائلة..
الجريدة الرسمية