رئيس التحرير
عصام كامل

قراءة مختلفة للجمعة البيضاء


استعد ابني وأصدقاؤه قبل أسبوع أو أكثر من الجمعة البيضاء أو السوداء لا أعلم كيف كان لونها في أحلام من انتظروها.. واتفقوا على الذهاب إلى أقرب مول لشراء كل ما يتمنون.. وبدأ الولد الصغير (14) سنة بضعًا من الخطط ما يستطيع به أن يقنع والده بأن يمنحه مبلغًا محترمًا من المال.. وبعد مفاوضات طويلة وبمساعدتي طبعًا.. استطاع أن يحصل على (750) جنيهًا.. بعد أن أقنع والده أن هذا المبلغ سيوفر له كل ما يحلم من ملابس الشتاء بل ربما حذاء أو أكثر.. وافق والده واعتبرها فرصة..


كان شرطه الوحيد أن تذهب معه والدته وليس أصحابه.. وافق ابني على مصاحبتي بعد أن اتفق معي أن أكمل له مبلغًا صغيرًا كنت قد اقترضته منه سابقًا.. ظل الولد يحلم طوال الأسبوع بالبلاك فرايداي.. تلك الجمعة السعيدة التي ستملأ الأرفف الفارغة بعد أن تخلص من ملابس العام الماضي التي لم تعد تصلح بعد أن طالت قامته قليلا.. وجاءت الجمعة التي لا أعرف لونها.. حذرني الولد من التباطؤ في الخروج.. لأن التأخير سيكون سببًا في عدم وجود مكان للسيارة.. اندهشت.. ولم أصدق..

الجمعة يوم هادئ.. أغلب الناس لا تفضل الخروج صباحًا.. ولكنني كنت أنا المخطئة.. وصدق حدسه.. الشوارع تمطر سيارات.. وطرقات المولات تدفع بأمواج البشر في شتاء ليل عاصف يعجز أعتى السباحين على العوم فيه.. كانت المفاجأة أكثر مما توقعت.. وتوقع ابني المستعد منذ أيام.. ورغم ذلك لم يتردد في طرح تعليق مباغت.. يبدو أن التخفيضات مذهلة.. وكل هؤلاء دليل على ذلك..

يا لهم من تجار أذكياء.. يبيعون أرخص ليحققوا مكسبًا أكبر( بيع أرخص.. تبيع أكتر.. تكسب أكتر) قلت له لا تفرح كثيرًا.. من يتخذون طريق الخروج أياديهم خاوية.. انظر للوجوه ستجد الوجوم والإحباط يعلوان الملامح الباهتة.. آلاف البشر تملأ الطرقات والمحال.. ولا تبدو في الأفق سوى خانة الآحاد.. رفض ابني ما قلت.. وقال.. هل تعلمين يا أمي قيمة المبلغ الذي أملكه الآن؟ بحسبة سريعة أجاب.. 83 دولارًا.. هل لو كنت أحلم بشراء جاكيت في أي بلد أوروبي.. هل تكفي ؟ قلت لن تكفي.. ربما تستطيع شراء معطف متواضع أو بالكاد جيد.. ولكن لو نظرت لمستويات الدخول هناك ستجد أن هناك توازنًا بين مستويات الدخول والأسعار وهو ما ليس متوفرًا في مصر.

وجدت نفسي في نقاش طويل خاصة بعد ما لمحت نفس الملامح المحبطة تقترب مني بشدة.. نظر في يده فوجد عدة جنيهات لن تفي بالقدر القليل مما كان يحلم.. والأسعار تعتلي كل شيء تعلن عن نفسها بفجاجة.. وكلما اقترب من قطعة أعجبته.. عاد يجر أذيال الخيبة.. قائلا.. لو أتينا غدًا ستكون الأسعار أضعاف ذلك.. ولكن أين التخفيضات؟ ولماذا أجد أمامي كل هؤلاء؟ كررت عليه ما لاحظت..

لا أحد يشتري.. الناس اتت بتلك الأعداد الغفيرة طمعًا في التخفيضات.. لم تجد ما أتت من أجله.. فذهبت كما جاءت.. أنها الثورة الافتراضية التي بنيت على وهم.. وأمست كما ترى.. إحباط وألم.. وليلا سوف تجد صفحات فيس بوك تسخر منهم.. وتقول الغلابة بالملايين في مولات القاهرة.. وكأن الكتائب الإلكترونية التي تنتظر مثل هذه الأحداث ترتدي عيونًا عمياء لا ترى ما يعلو الوجوه كما نراه الآن.. لم أكن يومًا هكذا معه.. 

وجدتني أسير معه في تجاه الخروج دون أن أعده بشيء.. كان ينتظر هذا الوعد.. أرى الانتظار في عينيه.. ولكنني لم أقوَ على الوعد.. لم أكن يومًا ممن يعد فيخلف.. في طريقنا إلى المنزل لم ينطق بكلمة واحدة.. ولكنه بعد أن فقد الأمل في الوعد المنتظر.. سألني بغتة.. متى ستنخفض الأسعار؟ وهل هناك أمل في عودة الجنيه لما كان عليه؟ ولماذا يربطون كل شيء بالدولار ؟ والسؤال الأصعب.. كيف سنعيش ؟

قلت له لا تقلق سنعيش.. ولكن الظرف الذي نواجهه الآن يستدعي ترشيد الإنفاق.. سنحاول الاستغناء عن أشياء كثيره.. ونتنازل قليلا حتى تستطيع دخولنا أن تفي بمتطلباتنا.. القادم اصعب.. وانت الآن أكبر.. ولابد أن تتحمل معنا.. وتعي ما يحدث.. قال اكره الثورة ! قلت لا تكره ما تجهل.. نحن في مرحلة البناء الحقيقي لاقتصاد سوف يعيش في كنفه أبناؤك وأحفادك.. نتحمله الآن ليسعدوا.. كل ما أطلبه من متخذ القرار أن يدرس قراراته بدقة.. خاصة فيما هو قادم.. حتى لا يفرغ المجتمع من أهم طبقاته.. ويقضي على ما تبقى من فقر العيش..

نحن على استعداد لتحمل فاتورة الإصلاح من أجلكم.. وسنواجه ونرشد ونشد على البطون.. ولكن لا أريد أن يفرض على رجل أعمال المجموعة الاقتصادية التي تخدم مصالحة وتوفر له المعلومات التي تملأ خزائنه على حساب من يدفعون الفاتورة.. ويتحملون من أجل الاستثمار..

لن يتحمل المواطن تلك الفاتورة الباهظة إلا لو وجد بدائل تجدد له الأمل.. وتشعره أن متخذ القرار في يده خريطة الأمان.. تلك الخريطة التي تملك مفاتيح تحدد مفرداتها.. ولو كان لإلغاء استيراد بعض السلع ضرورة ملحة كان لابد أن يوجد لها بديلا لأنها اقتصاد قائم ويوفر فرص عمل.. أين المنتج المصري الذي منعت الاستيراد من أجله؟ أين المصانع التي وعدت بإعادة تشغيلها.. ابن الناصحون المخلصون ؟
غفا ابني وأنا أتحدث إلى نفسي في صمت.. وتركته يغفو عله يستيقظ غدًا على واقع أفضل وأمل يحمل نسائم ربيعية خفيفة.
الجريدة الرسمية