رئيس التحرير
عصام كامل

وكيل الجهاز السابق اللواء محمد رشاد: المخابرات عيون مصر الساهرة.. أسسنا أول قاعدة معلومات عن إسرائيل بعد النكسة.. وساعدنا الجيش في القضاء على أسطورة الصهاينة


قضى اللواء محمد رشاد سنوات طويلة من عمره داخل جهاز المخابرات العامة منذ أن التحق به وكان ضابطًا صغيرًا وصولا إلى تقلده منصب وكيل الجهاز، وخلال تلك السنوات كان شاهدًا على الإنجازات الكبيرة التي حققتها المخابرات العامة المصرية. أشرف رشاد بنفسه على التحقيق مع أخطر جاسوسة في تاريخ مصر، وقاد أكبر عملية لتدمير الحفار الإسرائيلى في السواحل الأفريقية لذلك يملك الرجل «كواليس» وأسرارًا خاصة عن ملاحم المخابرات... يحكي جانبًا منها في الحوار التالى:



> في البداية ما أهم إنجازات المخابرات المصرية داخل وخارج مصر؟
المخابرات العامة هي درع مصر المعلوماتية ولها إنجازات كبيرة منذ عام 1954، وتعتبر أهم قضية في تاريخ المخابرات هي قضية «هبة سليم» الجاسوسة المصرية التي جندتها إسرائيل لصالحها والتي تحولت قصتها إلى فيلم سينمائى باسم «الصعود إلى الهاوية»، وهذه القضية من القضايا الكبيرة لأن حجم المعلومات المتوفرة فيها كانت على درجة عالية من السرية، وهذا يعنى أنها كانت تهدد أمن القوات المسلحة والأمن المصرى لأنها كانت تتضمن طرفًا عسكريًا هو زوج هبة سليم الذي كان ضابطًا فكان من الممكن أن نواجه صعوبات في عبور القوات إلى قناة السويس ونعجز عن تحقيق ما حققناه من إنجازات في 73 إذا استمرت هذه القضية حتى وقت الحرب.

> وماذا عن خطة تدمير الحفار الإسرائيلى الشهيرة؟
كان لدينا زميل في الإدارة الاقتصادية في مجموعة إسرائيل بالمخابرات يدعى «نبيل الشافعى» التقط ذات يوم خبرًا خاصًا باستئجار إسرائيل الحفار للحفر في قناة السويس، فبدأنا على الفور بكتابة مذكرة مشتركة ونبهنا لخطورة هذا الموضوع وطالبنا بضرورة التعرض لهذا الحفار قبل وصوله إلى منطقة خليج السويس، ورفعنا مذكرة لرئاسة الجهاز ثم قامت رئاسة الجهاز برفعها إلى رئاسة الجمهورية ثم حصلنا على تصديق من الرئيس جمال عبد الناصر لمواجهة هذا الحفار ومنعه من الوصول عن طريق تدميره في أي مجال على الساحل الأفريقى، ثم بدأنا في متابعة الحفار وعندما اكتملت قاعدة المعلومات توجهنا بها إلى جهاز العمليات الخاص بمواجهة هذا الحفار في الميادين المختلفة.. فنجاح مشروع مثل الحفار الإسرائيلى كان بمثابة استنزاف لكل موارد حقول البترول في خليج السويس بما يؤثر بشكل كامل في مخزون البترول الموجود في الخليج، حيث يعتبر هذا المخزون جزءًا من الأمن الاقتصادى الذي هو بالضرورة جزء من الأمن القومى.

> ما دور المخابرات في مقاومة الجاسوسية ؟ ومقاومة الإرهاب؟
مقاومة التجسس حق أصيل تقوم به المخابرات العامة دون شريك آخر؛ لأن دورها الأساسى هو الحصول على معلومات ثم مقاومة التجسس بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى مقاومة الإرهاب، فمقاومة الجواسيس وكشفهم إحدى المهام الرئيسية للمخابرات؛ لأن طرفى القضية أو العاملين في مجال التجسس على مستوى عالٍ جدًا من التدريب، وبالتالى لابد أن يكون هناك جهاز قوى مدرب وعناصر مدربة على مستوى عالٍ حتى تستطيع مواجهة هذا النشاط والمخابرات العامة بإمكانياتها وتدريبها وخبرتها ومهنيتها قادرة على القيام بهذه المهمة، أما بالنسبة لمقاومة الإرهاب فتقوم المخابرات بالدرجة الأولى بجمع معلومات أساسية عن الإرهاب خاصة في الخارج والداخل، لكن القوى التنفيذية القائمة على القضاء على الإرهاب هي القوات المسلحة والشرطة.

> ما أشهر قصص الجواسيس؟ وكيف نجحت المخابرات المصرية في إنجازها؟
قضايا الجواسيس كثيرة لكن أشهرها قضية «هبة سليم» التي بدأت من معلومة ثم البدء في تتبع المعلومة وتداولها حتى يمكن التوصل وتحديد أطراف القضية، حيث تعتبر من أصعب القضايا التي واجهت جهاز المخابرات لأن طرفى القضية مجهولان، لذلك تم البدء في تتبع تداول المعلومة حتى يمكن الوصول إلى أطرافها وبالفعل نجح جهاز المخابرات من خلال تتبع المعلومة وتداولها في تحديد أحد أطراف القضية، ثم بدأ هذا الطرف في توجيه الطرف الآخر وهى «هبة سليم» وتم وضع خطة للإيقاع بها من باريس إلى ليبيا؛ لأن والدها كان يعمل بليبيا، وبعد ذلك تم إحضارها إلى مصر ثم خضعت للتحقيق الذي قمت به بنفسى لمدة 70 يومًا.. و«هبة سليم» كانت من العناصر المهمة لدى جهاز المخابرات الإسرائيلى «الموساد» وكانوا يعتبرونها عميلة على مستوى عالٍ جدًا.. زارت «هبة سليم» إسرائيل نحو 9 مرات وقامت هبة سليم بزيارة لكل القواعد الجوية والقوات المسلحة حتى تشعر بأن هناك فرقًا في ميزان القوة بين مصر وإسرائيل، وبالتالى بدأت تقتنع بالقيام بهذه المهمة، وفى آخر لقاء بيننا قالت إنها ليست ندمانة وحذرت من خطورة تعرض مصر لهذا الغول والقوة الغاشمة إسرائيل.
هبة سليم تم فرزها من خلال «تحديد الأنسب» وهى أول مرحلة في عملية التجسس، حيث كانت طالبة في قسم الأدب الفرنسى بجامعة عين شمس ورئيس القسم كان فرنسيًا معارًا من «السوربون» وهو من رشحها لجهاز المخابرات الإسرائيلية واتاح لها فرصة السفر للسوربون فقد سافرت هبة إلى باريس في منحة خاصة وهناك بدأت المخابرات الإسرائيلية تجنيدها.

> كنت مسئولا عن التحقيق في أخطر ملفات المخابرات.. حدثنا عن دورك في هذه المرحلة ؟
أهم فترة في المخابرات المصرية كانت إنشاء قاعدة معلومات إسرائيلية، فبعد النكسة أردنا معرفة الدروس المستفادة من حرب 1967 وتبين لدينا من خلال الدراسة أن أسباب نكسة 67 هي قصور المعلومات عن إسرائيل، لذلك كان من الضرورى البدء في إنشاء قاعدة معلومات إسرائيلية حتى نستطيع التعامل مع العدو طبقًا للواقع، واستعنا بالنشرات والكتب التي صدرت عن حرب 67، لحسن الحظ كانت إسرائيل رفعت وقتها الحظر الإعلامي عن كل المعلومات العسكرية، وبالتالى استفدنا بشكل كبير من رفع هذا الحظر، وبدأنا في تكوين قاعدة معلومات ومتابعة الموضوعات، كما قمنا بعمل غرفة خاصة عن المعلومات الإسرائيلية تضم كل الأهداف الإسرائيلية من مدن وموانئ ومطارات، وبالتالى عندما جاءت حرب 73 وجدنا كل المعلومات التي أمدتنا بها القوات المسلحة عن إسرائيل مطابقة للواقع تمامًا، وهذا ما جعلنا نحدد هدفنا طبقًا لإمكانياتنا المتاحة فكان الهدف هو إدارة معركة مع إسرائيل بعيدًا عن الخروج من نطاق حائط الصواريخ حتى لا نعطى العدو الفرصة لتدخل القوات الجوية لأن القوات الجوية الإسرائيلية هي القوة الضاربة الرئيسية للقوات المسلحة الإسرائيلية.

> ما أصعب الفترات التي مرت عليك في المخابرات؟
بناء قاعدة المعلومات الإسرائيلية كانت من الفترات العصيبة؛ لأن فيها السباق للزمن وكان لا بد من تكوين قاعدة معلومات من لا معلومات، وبالتالى كان الهدف الرئيسى بناء هذه القاعدة التي أخذت جهدًا كبيرًا، ويرجع الفضل في ذلك إلى الراحل أمين هويدى الذي كان وقتها مشرفًا على جهاز المخابرات، حيث كان له الفضل الأكبر في توجيهاته للبدء في تكوين هذه القاعدة، بالإضافة إلى تركيزه في مجال الحصول على معلومات وفتح مجالات جديدة في كل من الأردن وسوريا، ومن الفترات الصعبة أيضًا حرب الاستنزاف وكيفية تحصين الأهداف الحيوية المصرية من الضربات أو العمليات الخاصة الإسرائيلية.

> ما تقييمك لدور المخابرات الحالى في اصطياد الجواسيس؟
جهاز المخابرات جهاز وطنى يخدم مصر بالدرجة الأولى ويؤدى دوره في إطار تأمين الدولة ومعالجة كل القضايا التي تهدد الأمن القومى خارجيًا وداخليًا، لكن مع تطور الأحداث خاصة في الداخل أصبح هناك عبء على جهاز المخابرات العامة؛ لأن مصر أصبحت مستهدفة من قوى كثيرة، فنحن نتعامل مع قوى خارجية تستهدف مصر بالدرجة الأولى، ففى الماضى كان التركيز على إسرائيل لكن الآن أصبح هناك أطراف أخرى، وللأسف تشارك فيها أطراف عربية مثل «قطر» وأطراف إقليمية مثل «تركيا»، ففى ظل هذه التطورات تؤدى المخابرات دورها لكنها تواجه تحديات صعبة، خاصة فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب الذي تحارب فيه الدولة أشباحًا وليست قوات نظامية.
الجريدة الرسمية