رئيس التحرير
عصام كامل

طريق التنمية

تقاس قوة الدول وثقلها وتأثيرها في محيطها بناء على عوامل عدة، منها السياسي والعسكري، لكن أهمها على الإطلاق الاقتصادي بما فيه من اكتفاء ذاتي غذائي وصناعي يترجم إلى وفرة مالية وثبات العملة، بشكل يحميها ويجعلها بمنأى عن التقلبات والضغوط الخارجية أيا كانت، وهذا كله ينعكس على التنمية الشاملة للبلد ويرسخ مكانتها في النظام العالمي.  


عند تطبيق تلك العوامل على الحالة المصرية نعرف إلى أي منحدر انزلقنا، فالبلد غارق في الديون والقروض، يستورد جميع احتياجات المعيشة، وحتى المحاصيل التي قيل أننا حققنا اكتفاءا ذاتيا منها، اتضح الأشهر الماضية كذب الحكومة بشأنها، كما فشلت في توطين الصناعات، فضلا عن الفشل المزمن في الحفاظ على الموارد الطبيعية.

نتيجة الحالة المصرية البائسة، لم يعد أحد يلتفت إلينا أو ينتظر رأينا في أي قضية كانت، بعدما انتقل الثقل والقرار إلى دول عربية مجاورة، وحتى القضايا الإقليمية التي كانت حكرًا على مصر، تسعى دول بالمنطقة لوضع يدها عليها، لإدراكها أن مصر فقدت الثقل والتأثير. 

يردد بعض من يعيشون في عالم مواز، أن مصر ليست الوحيدة التي انخفضت عملتها نتيجة التعويم الإجباري، وأن تركيا تعاني المشكلة ذاتها، متجاهلا أن انخفاض الليرة التركية سببه سياسة مالية خاطئة اتبعها وزير المالية والخزانة الأسبق صهر الرئيس أردوغان، فاضطر لإبعاده عن الحكومة واستعان بسواه.. 

الحالة التركية

لكن المهم هنا أن المواطن التركي لم يشعر بانخفاض الليرة ولم تتأثر رفاهيته، لأن الاقتصاد التركي بين أقوى 20 اقتصاد في العالم، وقادر على امتصاص الصدمات أيا كانت، فضلا عن أن تركيا لديها اكتفاء ذاتي وتصدر سلع وصناعات بنحو 254 مليار دولار سنويا، لتصبح بين أكبر 10 مصدرين عالميًا، كما تحتل المرتبة الرابعة في قائمة السياحة العالمية..

 

ومع هذا لم يشأ الرئيس أردوغان، أن تتأثر رفاهية الشعب بالتضخم وانخفاض العملة، وقرر الشهر الماضي رفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص 34 في المئة ليصبح 11 ألفا و402 ليرة (483 دولارا) شهريًا، كما رفع الحد الأدنى لموظفي الحكومة إلى 15 ألف ليرة تركية (768 دولارا)، أي نحو 23 ألف جنيه شهريًا.

 

لم ولن ننسى كشعب ما فعله أردوغان في مصر، حتى وإن تصالحت معه الدولة على المستوى الرسمي، لكن هذا لا ينفي أنه زعيم لا يستهان به، يراوغ ويكذب، يهاجم ويهادن، يناصب الآخرين العداء ثم يبادر بالمصالحة، لكنه في كل الأحوال يعرف من أين تؤكل الكتف، وقادر بحنكة ودهاء على تحقيق مصلحة تركيا وانتزاعها في أي مكان بالعالم.

 

قوة اردوغان وثقل تركيا وتأثيرها، تجبر حتى ألد أعداء الرئيس التركي على التعامل معه، فهو رغم قصفه كردستان العراق بين الفينة والأخرى وتسببه في انحسار مياه نهري دجلة والفرات نتيجة السدود التركية، إلا أنه بمجرد أن لوح للعراق بمشروع تنموي حتى هرولوا إليه، داعين دول الخليج لمناقشة المشروع التركي واستثنوا مصر، باعتبار أن طريق التنمية سيكون بديلا لقناة السويس ويضر بالمصالح المصرية.    

طريق التنمية

أردوغان، الذي قرر زيارة العراق بعد غياب 12 عامًا، اعتبر مشروعه طريق التنمية، شريان اقتصادي يربط دول الخليج وتركيا عبر العراق، وله أهمية كبيرة في التجارة الدولية، كونه يربط دول آسيا بأوروبا عبر العراق مرورًا بمياه الخليج العربي، ولا تقتصر العوائد الاقتصادية للقناة الجافة المزمع إنشائها على العراق وتركيا، بل تشمل أيضا دول الخليج.

 

اعتبر الرئيس التركي أردوغان، المشروع المرتقب، بمنزلة طريق حرير جديد في المنطقة، ومشروعًا استراتيجيًا مهمًا، ليس لتركيا والعراق فحسب، بل للمنطقة بأسرها، كما أن الملايين في مناطق واسعة من أوروبا سيستفيدون من القيمة المضافة التي ستظهر مع إنشاء الطريق، الذي يعزز التعاون الإقليمي ويطور التجارة والعلاقات بين تلك الدول.


في المقابل أبدى رئيس وزراء العراق محمد شياع السوداني، حماسته الشديدة واتفق مع أردوغان، على المضي قدمًا في إنجاز المشروع الذي سيربط الشرق بالغرب وسيكون ممرًا عالميًا لنقل البضائع والطاقة.

 

طريق التنمية الذي يختصر الوقت والمسافة، سيؤثر مباشرة وبقوة على النقل في البحر الأحمر وقناة السويس، كما يؤثر على ميناء بندر عباس في إيران، ويزعزع الوجود الإيراني في المنطقة، لأنه سيربط دول الخليج بتركيا مباشرة، وربما يؤثر بطريقة أو بأخرى على ميناء خالد في الشارقة، وميناء جبل علي في دبي.

 

 

هكذا تمكن أردوغان من استمالة دول المنطقة لتأييد طريق التنمية، الذي يجعل تركيا مركزا لنقل الطاقة "غاز ونفط" باعتبارها بوابة إلى أوروبا، مؤكدا أن مشروع الطريق البري، مباشر وآمن ويختصر الوقت بخلاف مخاطر ومشاكل النقل البحري.

الجريدة الرسمية