رئيس التحرير
عصام كامل

رئيس الاتحاد الدولى لحوار الأديان: قضيت بجماعة الإخوان 5 سنوات وصدمتنى أفعالهم المشينة

فيتو

  • الأزهر بريء من اتهامات الإرهاب
  • لن ينتهى التطرف مادام هناك أمهات يوصين أبنائهن بعدم مشاركة الطعام مع زملائهم المسيحيين
  • حسن البنا كان في نظري مفكرا ومرشدا ثم أصبح قاتلا وخائنا 
  • أحببت بابا الفاتيكان الراحل "يوحنا بولس الثانى" كما لم أحب أحدًا على هذه الأرض
  • الإخوان لن يتركوا العنف أبدًا فهو في أيديولوجيتهم
  • تجديد الخطاب الدينى "حرب فكرية" على جميع المؤسسات المشاركة فيه
  • تربيتى في مدرسة للأقباط جعلنى شخصية متسامحة
  • من ينادي بالمصالحة مع الإخوان "منافقون" والجماعة لم ولن تغير أيديولوجيتها العنيفة

أدارت الحوار: إيمان مأمون
أعده للنشر: محمود محمدي
تصوير: ريمون وجيه
تبنى دكتور على السمان قضية "حوار الأديان" وأخذ على عاتقه إيجاد نقاط التقاء بين الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام بدلا من البحث في نقاط الاختلاف والهجوم على الآخر، فكرس حياته للدفاع عن قيم الإسلام وتوضيح صورته الصحيحة بالخارج وفي 1989 حقق حلمه بإقامة حوار حقيقي بين المسلمين والمسيحيين، بتأسيس مؤسسة الحوار الإسلامي المسيحي، وأصبح رئيسا للاتحاد الدولي لحوار الثقافات والأديان وتعليم السلام (أديك) بأوروبا ومصر، اختاره الرئيس الراحل محمد أنور السادات ليكون مستشارا له، وكان له دور بارز في معاهدة السلام، كما كان رئيسا للجنة الحوار والعلاقات الإسلامية بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية من 1996 إلى 2011 ومستشار الإمام الأكبر  السابق الشيخ محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر لشئون الحوار من 2000 إلى 2006 استطاع "السمان" تنظيم أول لقاء بين فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر جاد الحق على جاد الحق (رحمه الله) مع الكاردينال فرانز كينج بفيينا، وكان لقاء في غاية الأهمية لكونه أول خطوة مهدت الطريق أمام اتفاقية الحوار التي وقعت فيما بعد بين الأزهر والفاتيكان عام 1994 في بيرن بسويسرا.
وحول ماهية حوار الأديان وجدواها ومدى نجاح مؤسسة "أديك" في نشر السلام كان لنا هذا اللقاء مع الدكتور على السمان وإلى أهم ماجاء بالحوار..

*في شبابك كنت عضوا في جماعة الإخوان أيام حسن البنا ثم خرجت منها.. لماذا؟
قضيت بجماعة الإخوان 5 سنوات من عمري بداية من عام 1947، وحتى عام 1952 وكنت طالبا في المرحلة الثانوية في طنطا، الجماعة شكلت في هذا الوقت كل ما يمثل الوجه الحسن لما يريدون أن يبعثوا به إلى الرأي العام، وكنت مؤمنا بأن هؤلاء الناس طيبون وصالحون، وإن الانتماء لهم خير وسيأتي بالخير ونشر التسامح، وبعد أن بدأت في التجاوب مع أفكار وتفكير الجماعة، صدمت بأفعالهم المشينة وأفكارهم الغريبة، وكان حادث مقتل المستشار "الخازندار" نقطة التحول فقد كفرت بأفكارهم واكتشفت مدى العنف الذي يحويه فكرهم على غير الظاهر، وكان هذا الحادث سببا رئيسيا في تقديم استقالتي من الجماعة، وتغيرت حياتي 180 درجة، بعد أن اكتشفت وأدركت أن الجماعة تسير في خطين الأول الدعوة، والثاني الاغتيالات والقتل، وبعد أن كان حسن البنا في نظري قائدا ومفكرا ومرشدا، أصبح قاتلا خائنا لابد من الابتعاد عن طريقه؛ لأني أرفض القتل عمومًا، ومع قيام ثورة 23 يوليو تجاوبت معها لا سيما بعد الفكر الذي جاءت به من خلال التنمية الاجتماعية، وخلال تلك الفترة انضممت إلى مجموعة من الأصدقاء الذين يحملون أفكارًا مستنيرة، أما الآن فالفكر كما هو وتبنى أيديولوجية العنف والقتل كما هي، بل ربما تزايدت حدتها عن الماضى لذا أرفض فكرة المصالحة معهم.

* هناك من يؤيد فكر المصالحة كالدكتور "سعد الدين إبراهيم " وغيره بدعوى نشر السلام ولم شمل الوطن ما تعليقك؟
المصالحة مع الإخوان أمر مرفوض كليًا، لأن المصالحة معهم ضد مصلحة الدولة، وإذا فكرنا في طرح مسألة المصالحة يجب أن يقدم الإخوان اعتذارًا للشعب المصري، ويعلنوا أسباب الاعتداء على الناس ومحاربة الدولة، وعليهم الابتعاد عن العنف ونبذ التطرف والاغتيالات، كل هذا يجب أن ينسوه بالكامل، وأنا أرى أن الإخوان لن يتركوا العنف طوال حياتهم، فهم المسئولون عن الإرهاب وهم من يسلحونه وينفقون عليه، وبوجه عام المصالحة أمر صعب، ولا توجد أي مؤشرات أن الجماعة لديها نية للتصالح، ومن ينادي بفكرة المصالحة أراهم منافقين عليهم مراعاة مصلحة الوطن في المقام الأول، والتصالح مع هؤلاء لا يصب في مصلحة مصر؛ فتلك الجماعة تهدر دماء الأبرياء، ولا تصالح مع من يريق الدماء، وعلينا أن نتعقل الأمور وننظر لمسألة المصالحة بوجه عام، فلن نجد أن هناك أي نتائج عقلانية من تلك الخطوة.

*هل اختلف الإخوان في عهد حسن البنا عن إخوان العصر الحديث؟
أيديولوجية الإخوان من أيام حسن البنا وحتى الآن لم تختلف، وطوال عمرهم منهجهم هو العنف ومن ليس معنا فهو ضدنا، ولا أرى أي خلاف بين الجماعة في الوجهين، لكن ربما في عهد حسن البنا كانت هناك قيادات عاقلة، فالشيخ محمود جامع كان صديقا مقربا لى، وكان عاقلا وبعيدا عن العنف، ولكن هذا لا يمنع أن الميل إلى العنف والاغتيالات من أيديولوجية الجماعة، وكان هناك تنظيم سرى تحكمه مجموعة تخطط لعمليات الاغتيال، وكان هذا التنظيم هو الوجه الآخر للجماعة وكذلك في وقتنا الحالي نجد أن الجماعة ما زالت تتعامل مع الجماعات الإرهابية وتدعمهم وتنفذ عمليات إجرامية ترهب الناس، وبذلك نقول إن الجماعة لم ولن تتغير أيديولوجيتها حاليًا عن قديمًا.

*عاصرت ثورات عهد الملكية وثلاث ثورات.. أي منها تراها حققت أهدافها؟

الثلاث ثورات لها اعتبارات وظروف مختلفة، فثورة 23 يوليو عام 1952، بدأها مجموعة من ضباط القوات المسلحة وشكلوا مجلسا لقيادتها، ثم التف الشعب حولها وأيدها منذ البداية؛ لذلك نجد أن الثورة حققت أهدافها المرجوة أو على أقل تقدير أغلب أهدافها قد تحققت، على رأسها العدالة الاجتماعية التي حققها جمال عبد الناصر، أما ثورة 25 يناير التي قامت لرفض نظام حسني مبارك، فكان بها مشكلة وهي أن بعض القوى الشبابية أرادت تنفيذ ما هي مقتنعة به فقط، ولم تحقق ثورة يناير أي شيء من الأهداف المرجوة منها، ولم تفعل شيئا إلا أنها أزالت نظام مبارك، وثورة 30 يونيو التي نسميها "ثورة تصحيح الطريق"، كانت بمثابة انتفاضة شعبية، حيث طالب الملايين الجيش بنزول الشوارع وإنقاذ مصر من حكم الإخوان، وفي الفترة الحالية نعيش مرحلة تصحيح وحل مشكلات الوطن، ولكن بالطبع مازلنا نعاني من البيروقراطية والفساد، ومسألة الإصلاح ليست هينة أو سهلة، وعلينا أن نبدأ بإصلاح شامل يسير على التوازي في عدة مجالات أهمها التعليم والثقافة والدين.


*زيارة "بابا الفاتيكان "لمصر هل ترى أنها تصب في خانة عودة الحوار الديني الإسلامي- المسيحي أم دعم المسيحيين بعد التفجيرات الأخيرة ورفع لروح المصريين المعنوية؟
زيارة بابا الفاتيكان جاءت كهبة من السماء علاج لجروح المسيحيين والمصريين على وجه السواء، لأن البابا رمز كبير للدين المسيحي في العالم كله، وزيارته تزامنت مع مؤتمر الأزهر للسلام الذي دعا اليه شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، ونظرا لأن بابا الفاتيكان هو رمز للقيادة الدينية المتميزة أصرعلى أن تأتى الزيارة إلى مصر في موعدها رغم التفجيرات الأخيرة التي شهدتها كاتدرائيتا الإسكندرية وطنطا ومن قبلهما تفجير الكنيسة البطرسية بالعباسية، فكانت بمثابة مواساة للمسيحيين وتضميدا لجراحهم الغائرة في النفوس، وزيارة البابا تحمل رسائل طمأنة وتوحد وإعادة بث القوة في نفوسه المصريين عامة والمسيحيين بشكل خاص مرة تانية، ويحسب له إصراراه على أن تكون الزيارة في موعدها بعد تلك الحوادث الإرهابية والتفجيرات الأخيرة، وإصرار البابا يدل على أنه رجل صاحب مبدأ.

*حدثنا عن كواليس عقدك لاتفاقية "الحوار بين الأزهر والفاتيكان" عام 1998؟
بكل أمانة كان لسفير الفاتيكان في مصر «مايكل فيتزاجرالد» الذي تعاونت معه عشرة أعوام وكان نائبًا لرئيس لجنة الحوار داخل الفاتيكان دور كبير في توقيع هذه الاتفاقية، وهى أول اتفاقية للحوار بين الأزهر والفاتيكان، وصحيح أن كل ذلك حدث وقت أن كان بابا الفاتيكان "يوحنا بولس الثانى" الراحل، وكان المسئول عن كل ذلك وقد أحببته كما لم أحب أحدًا على هذه الأرض، التقيت به أربع مرات وهو رمز للسماحة والحب والتفاهم واليد الممدودة، ولم أر إنسانًا بهذا التعقل والروح السمحة وحب الآخر، والقيادة الجديدة قد تختلف ولكن لا يجب أن نقطع خط الاتصال بيننا وبينهم، وأذكر أننى عندما كنت نائبًا للجنة الدائمة لحوار الأديان بالأزهر، تقدمت والشيخ الزفزاف رئيس اللجنة بورقة عمل للفاتيكان في أحد الاجتماعات عنوانها «عدم التعميم في الأحكام» والحقيقة أن البابا الراحل نجح في أن تكون له شعبية وقبول واحترام على جميع المستويات والأديان، وقد حضرت بنفسى مؤتمر أسيزى حيث اجتمع رجال الدين من العالم كله، ومن كل الأديان وكان لهذا آثاره النفسية في إحساس الناس بالاقتراب والتفاهم معه.

*ما ردك على الاتهامات التي تكال للأزهر الآن وتوصمه بالإرهاب؟
أنا مقتنع تمامًا إن الأزهر بريء من الاتهامات التي تلاحقه الآن بالإرهاب، وليس له علاقة بانتشار الإرهاب في الشرق الأوسط أو في مصر أو حتى في العالم كله، فالأزهر منذ نشأته وهو يتبنى منهج الوسطية وينبذ التشدد والعنف، لأنه كما نرى الإرهاب يضرب كل بلاد العالم وليس مصر أو دول الشرق الأوسط فقط، ومسئولية تجديد الخطاب الديني تقع على عاتق الجميع، وعلينا أن نتعاون سويًا لإنقاذ مصر من الإرهاب ومخاطره.

*هل أنت مقتنع بفكرة «تجديد الخطاب الديني»؟ وكيف تكون آلية التجديد ولماذا تأخر رغم دعوة الرئيس للتجديد من 3 سنوات؟
للأسف يتحمل الأزهر وحده المسئولية، وينظر إليه بعين الاتهام، بينما يجب تجديد الخطاب الصحفي والخطاب السياسي والخطاب التعليمي والثقافى وكل ما يمس تعليم الأجيال الجديدة، حتى لا تقع في التطرف، فتجديد الخطاب الديني عبارة عن حرب فكرية، يجب تجاوزها والنجاح فيها وذلك بإعداد العدة لها باشتراك كل مؤسسات الدولة جميعها، وعلينا أن نعترف بأن هناك مشكلة قبل حلها، ولكن هناك نوعا من العند بعدم الاعتراف بأن التعليم به نوع من الشوائب، وكذلك أن هناك تقصيرا في الناحية الثقافية، وعلينا النظر إلى الأسرة أيضًا لأن النشأة عامل مهم في تشكيل وعى الفرد ولن نقول تأخرنا ولكن علينا أن نبدأ.

*حدثنا عن نشأتك بمدرسة ابتدائية للأقباط في مدينة طنطا وهل أثرت على نمو وعيك ومستقبلك الذي جعل منك رئيسا لاتحاد الثقافات وحوار الأديان؟
في البداية كنت في مدرسة ابتدائية عادية ولم أكمل فيها سنتين، ثم التحقت بمدرسة الأقباط الابتدائية، وكنت أول تلميذ مسلم يلتحق بتلك المدرسة وتبعني بعدها العديد من الطلاب، وأنا من عائلة متدينة جدًا، وتلك البيئة التي تربيت فيها من مدرسة للأقباط ومنزل ملتزم بتعاليم الإسلام جعلت مني شخصية متسامحة قادرة على تقبل الآخر بصدر رحب، فكنت أصلي مع والدي الفجر، ثم أذهب للمدرسة التي بها كنيسة وكنت أسمع صوت القداس، وأحترمه وهذا سبب إيماني بحوار الأديان منذ الصغر وبمسألة حقوق الآخرين، ثم تعمقت تجربة التآلف الديني في كطالب جامعى بجامعة الإسكندرية، ثم كطالب مسلم في مجتمع مسيحي في جامعة جرينوبل في فرنسا التي هي أشبه بالبوتقة التي تذوب فيها جميع الفوارق العرقية والعنصرية بين مختلف الأجناس، وانشغلت بفكر توحيد ثقافة الأديان واحترام فكر الآخر وعقيدته وبوجه عام الإنسان جزء من المجتمع، وعليه أن يدفع الآخرين حوله إلى الانتماء إلى فكره إذا كان صوابا، وهذا ما سعيت لفعله ونجحت فيه.

*هل الأسرة كان لها دور في تكوين أفكارك؟
من حسن حظي إني نشأت في أسرة متدينة علمتني معنى التسامح، وهذا مبدأ أصيل من مبادئ الدين، والسماحة جزء كبير من شخصيتي، ولا أعرف معنى كراهية الآخرين أو الحقد عليهم، ونجد حاليًا الأسر المصرية تفتقد لقيمة التسامح، فهناك عمليات شحن للأطفال ضد زملائهم المسيحيين، ونجد الأمهات يوصين أبنائهن بعدم التعامل أو اللعب أو مشاركة الطعام مع زملائهم المسيحيين، وبهذا الشكل ينمو داخل كل طفل بذرة تطرف قد تكبر إذا وجدت من يرعاها.

الحوار منقول بتصرف عن النسخة الورقية لـ "فيتو"
الجريدة الرسمية